السيد كمال الحيدري

69

معرفة الله

الغيرية ، وأمّا المُخلَص فلا يوجد فيه اقتضاء ذلك ، فالأوّل إن لم يفعل السوء فذلك لملَكَة حصل عليها من خلال تزكية نفسه وتطهير قلبه ، وأمّا الثاني فإنّه لا يفعل السوء لأنّه لا توجد في نفسه وقلبه الأرضية لفعله ، والأرضية هنا هي المُقتضي ، وعدمها عدمه « 1 » . فالمُخلِصية هي حصنٌ إنسانيّ يحصل عليه الإنسان بنفسه ، والمُخلَصية هي حصنٌ إلهيّ يُجذب إليه بعض الناس من قِبل الله تعالى ، فالأوّل من الإنسان والثاني منه تعالى . يقول الطباطبائي : « وأمّا إخلاصه تعالى عبده له فهو ما يجده العبد في نفسه من الإخلاص له منسوباً إليه تعالى ، فإنّ العبد لا يملك من نفسه شيئاً إلّا بالله ، والله سبحانه هو المالك لما ملّكه إيّاه . فإخلاصه دينه وإن شئت فقل : إخلاصه نفسه لله هو إخلاصه تعالى إيّاه لنفسه » « 2 » . وهنا سؤال يُطرح ، وهو : أيّ فضل للمُخلَصين على المُخلِصين ليُقدّموا عليهم ، مع أنّ المُخلِصين قد بذلوا مهجهم في سبيل إغلاق دائرة الشيطان وصدّه عنهم ، فهم الفاعلون لذلك ، بخلاف ما عليه الحال بالنسبة للمُخلَصين ؟ والجواب : « أنّ الله سبحانه وتعالى خلق بعض عباده هؤلاء على استقامة الفطرة واعتدال الخلقة فنشؤوا من بادئ الأمر بأذهان وقّادة وإدراكات صحيحة ونفوس طاهرة وقلوب سليمة فنالوا بمجرّد صفاء الفطرة وسلامة النفس من نعمة الإخلاص ما ناله غيرهم بالاجتهاد والكسب ، بل أعلى وأرقى ؛ لطهارة داخلهم من التلوّث بألواث الموانع والمزاحمات . . . » 3 ،

--> ( 1 ) كما هو الحال في الشجر والحجر من حيث الاحتراق أو النموّ ، فالشجر فيه المقتضي للنموّ والاحتراق أيضاً بخلاف الحجر الذي يكون عادةً فاقداً لذلك الاقتضاء . ( 2 ) ( و 3 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 11 ص 177 .